أحمد بن يحيى العمري
6
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
إن استخلاص المفردات وتحقيقها من قلم ناسخ التوت حروفه ، وتعثّرت نقطه بعد أن عفت الأيام رسومها ، وحارت أنامله بعد أن زاغت عيناه في فكّ طلاسم نسخة اعتمدها لأمر بالغ الصعوبة ، بل هو أصعب من خلع ضرس غير مرّة وإنما هو عند كل مفردة وفي صفحات عديدة ؛ لأنّ الناسخ - كما هو ماثل في المخطوطة - كان ينقل كثيرا من المفردات رسما من نسخته المعتمدة ، ولهذا جاءت كثرة من الأبيات الشعرية ، فيما استشهد له ابن فضل اللّه غير موزونة أحيانا ومبتورة ، أو مسطورة من غير تشطير ؛ فضلا عن أنّ النتف والمقطوعات الشعرية الواردة في ثنايا المخطوطة لم ينسب الكثير منها إلى قائليها ، ممّا جعلني أجهد في ردّها إلى أصحابها ، ممّن عرفوا بالشهرة وذيوع الصيت . أما الآيات القرآنية الكريمة فجاءت مبثوثة في ثنايا السطور من دون إسنادها إلى سورها ، الأمر الذي حدابي إلى وضعها بين قوسين صغيرين ، مع بيان رقم السورة والآية ، وبالنسبة إلى المفردات التي توجّب إضافتها في التحقيق عضدناها بين عضادتين ، فضلا عن الاهتمام بالشكل والترقيم ، مع ضبط القصائد وزنا وشكلا وإسنادها إلى بحورها . اختص السفر السابع من « مسالك الأبصار » الذي وقفت على تحقيق نسخته بتراجم أهل النحو وأرباب المعاني والبيان من الجانب الشرقي ( العراق ) ، والجانب الغربي ( الأندلس ) ، ثم مصر ، حيث بدأها ابن فضل اللّه ب ( النّضر بن شميل ) ( - 204 ه ) ، وختمها ب ( ابن أبي الإصبع ) ( - 624 ه ) ، وإن كان قد أفاض في ترجمة بعض أعلامها ، وأوجز ( مقلّا ) عند بعضهم ، كما هو الحال فيما ذكره عن السكّاكي ( - 626 ه ) ، حيث لم يتجاوز فيه خمسة الأسطر من دون أن يذكر له مؤلّفا ، أو إبداعا واحدا . لقد أفاض ابن فضل اللّه في ترجمة ( أبو حيان الأندلسي ) ( - 745 ه ) ، وأطنب كثيرا في تدوين قصائده التي كان أغلبها مناجاة ومساجلات بينهما ؛ ناهيك عن الإطراء والمديح الذي أثنى فيه عليه ؛ بوصفه شيخا من شيوخه الذين درس عليهم ، وأتقن صنعة الكتابة بهم . كما أفاض كثيرا في ترجمة ابن المعتز ( - 247 ه ) سالكا درب المؤرخين فيه ، ومعرّجا على ريادته لفنّ البديع ، واصفا إياه - بحقّ - رائدا لهذا اللون من فنون البلاغة ، مع عدم